وکالة مهر للأنباء: تشير التطورات العسكرية التي شهدتها منطقة غرب آسيا خلال الأشهر الأخيرة إلى أن مفهوم الردع دخل مرحلة جديدة. فإذا كان عدد الصواريخ، ومدياتها، وحجم النيران التي تطلقها يُعدّ في السابق المؤشر الأبرز للقوة العسكرية، فإن دقة الإصابة أصبحت اليوم المعيار الأكثر تأثيرًا في قياس القدرات القتالية. وفي هذا السياق، يكتسب التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول تطور القدرات الصاروخية الإيرانية أهمية خاصة، إذ يعكس تحولًا في نظرة الأوساط العسكرية والأمنية الغربية إلى مكانة القوة الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وبحسب التقرير، تمكنت إيران، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، من تعزيز دقة منظوماتها الصاروخية من خلال الاستفادة من التطورات التقنية في أنظمة التوجيه، واستخدام صور الأقمار الصناعية، وتطوير وسائل الملاحة، فضلًا عن توظيف الخبرات المستخلصة من الحرب الأوكرانية. ويرى دان صباغ، محرر الشؤون الدفاعية والأمنية في صحيفة الغارديان، أن الضربات الإيرانية الأخيرة تعكس قفزة نوعية في دقة الاستهداف والقدرة التدميرية، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وتكمن أهمية هذا التقييم في أنه ينقل الاهتمام، لأول مرة في أحد أبرز وسائل الإعلام الغربية، من التركيز على عدد الصواريخ الإيرانية إلى نوعية أدائها ودقة إصابتها، بما يعكس تغيرًا في معايير تقييم القوة العسكرية، حيث لم تعد الكمية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت الجودة والدقة عنصرين أساسيين في موازين القوة.
وفي الحروب الحديثة، اكتسبت دقة الاستهداف أهمية تفوق ما كانت عليه في العقود الماضية. فقد أثبتت تجارب النزاعات الأخيرة أن الأسلحة الدقيقة، حتى وإن كانت محدودة العدد، قادرة على إحداث تأثير يفوق بكثير تأثير كميات كبيرة من الأسلحة الأقل دقة، وذلك من خلال استهداف مراكز القيادة، والقواعد الجوية، ومنظومات الرادار، ومستودعات الذخيرة، ومراكز الاتصالات، بما يؤدي إلى تقليص القدرة العملياتية للخصم دون الحاجة إلى عمليات واسعة النطاق أو مرتفعة الكلفة.
ولهذا السبب، استثمرت القوى العسكرية الكبرى خلال العقد الماضي بكثافة في تطوير الذخائر الموجهة، والصواريخ عالية الدقة، والمنظومات الذكية. وفي الإطار ذاته، ركزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية جانبًا مهمًا من برنامجها لتطوير الصناعات الدفاعية على رفع مستوى دقة منظوماتها الصاروخية، وهو ما بات يحظى باهتمام واضح حتى في التقييمات الغربية.
ولا يقتصر رفع دقة الصواريخ على تزويدها بأنظمة توجيه متقدمة، بل يتطلب بناء سلسلة متكاملة من القدرات الاستخباراتية والعملياتية، تبدأ بتحديد الأهداف وجمع المعلومات، مرورًا بمعالجة البيانات وتحديد الإحداثيات بدقة، وانتهاءً بتوجيه الصاروخ أثناء الطيران حتى إصابة الهدف. كما تؤدي صور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة للاستطلاع، وأنظمة الملاحة، وتقنيات معالجة البيانات، دورًا أساسيًا في تعزيز دقة العمليات.
ووفقًا لتقرير الغارديان، استطاعت إيران دمج هذه التقنيات ضمن شبكة عملياتية متكاملة، الأمر الذي رفع احتمالات إصابة الأهداف الحساسة وخفّض هامش الخطأ. وفي ساحات القتال، قد يكون تقليص الخطأ بضعة أمتار فقط كافيًا لإحداث الفارق بين نجاح العملية وإخفاقها.
ومن أبرز ما أشار إليه التقرير أيضًا استفادة إيران من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، التي أبرزت الأهمية المتزايدة لتقنيات المعلومات، وصور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، ومنظومات الاتصالات في إنجاح العمليات الصاروخية. وتسعى جيوش عديدة حول العالم اليوم إلى دراسة تلك الخبرات وإعادة هيكلة عقائدها العسكرية بما ينسجم مع طبيعة الحروب الحديثة.
ولا يعني الاستفادة من هذه الخبرات مجرد التقليد، بل يعكس متابعة إيران لمجريات الصراعات المعاصرة وسعيها إلى تطوير قدراتها بما يتلاءم مع المتغيرات الميدانية. ومن ثم، لم يعد تطوير القوة الصاروخية قائمًا على زيادة المدى أو القوة التدميرية فقط، بل أصبح يعتمد بصورة أكبر على الدقة، وسرعة اتخاذ القرار، والتكامل المعلوماتي.
وبالتوازي مع هذا التطور، تبرز أهمية تأثيره في مفهوم الردع. فالردع يقوم على رفع كلفة أي عمل عسكري محتمل إلى مستوى يدفع الخصم إلى تجنب الحرب. وكلما ارتفعت احتمالات نجاح الضربات الدقيقة، ازدادت تعقيدات الحسابات العسكرية للطرف المقابل.
وفي الماضي، كانت منظومات الدفاع الصاروخي قادرة على توفير قدر من الاطمئنان عبر اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ، غير أن ازدياد دقة الصواريخ، واعتمادها على مسارات أكثر تعقيدًا، وتوفر معلومات استهداف أكثر تطورًا، قد يزيد من احتمالات تجاوزها لطبقات الدفاع، الأمر الذي يفرض على القيادات العسكرية استثمارات إضافية لتعزيز حماية المنشآت الحيوية.
وقد استثمرت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة بكثافة في نشر منظومات الدفاع الصاروخي في غرب آسيا، مثل منظومتي باتريوت وثاد، لمواجهة التهديدات الصاروخية. غير أن التساؤلات ما تزال قائمة حول مدى قدرة هذه المنظومات على التعامل مع الأجيال الجديدة من الصواريخ عالية الدقة. وفي هذا الإطار، أعاد تقرير الغارديان إثارة النقاش داخل الأوساط العسكرية الغربية بشأن كفاءة هذه المنظومات في ضوء التطورات الأخيرة.
ومن الناحية الاستراتيجية، لا تقتصر أهمية الدقة الصاروخية على ساحات القتال، بل تمتد إلى تعزيز القيمة السياسية والدبلوماسية للقوة الصاروخية. ففي معظم الأزمات الدولية، تقيّم الأطراف المتنازعة قدرات بعضها البعض قبل الإقدام على أي عمل عسكري، وإذا أظهرت هذه التقييمات أن كلفة الحرب ستكون مرتفعة، فإن احتمالات اللجوء إلى الخيار العسكري تتراجع.
وبالتالي، يتحقق الردع الفاعل عندما يقتنع الخصم بأن المكاسب المحتملة للحرب أقل من خسائرها. ومن هذا المنطلق، فإن رفع دقة الصواريخ قد يكون مؤثرًا في إعادة تشكيل هذه الحسابات بقدر تأثير زيادة أعدادها.
ومع ذلك، تبقى المنافسة بين وسائل الهجوم وأنظمة الدفاع عملية ديناميكية مستمرة؛ فكما تتطور التقنيات الصاروخية، تتقدم أيضًا تقنيات الاعتراض والرادارات والمستشعرات والذكاء الاصطناعي، ما يعني أن أي تفوق عسكري يظل مؤقتًا، ويفتح الباب أمام سباق تكنولوجي جديد.
وفي المحصلة، يبدو أن معايير القوة العسكرية تشهد تحولًا واضحًا؛ فبعد أن كانت قوة النيران هي المعيار الرئيس، أصبحت الدقة، وسرعة الاستجابة، والتكامل المعلوماتي، والقدرة على اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، عناصر أكثر أهمية في تقييم القدرات العسكرية. ويمكن قراءة تقرير الغارديان في هذا السياق، إذ يعكس انتقال اهتمام المحللين الغربيين من الكم إلى الكيف، ومن عدد الصواريخ الإيرانية إلى مستوى دقتها وفاعليتها العملياتية.
وعليه، يمكن اعتبار تطور دقة الصواريخ الإيرانية أحد أبرز التحولات في منظومة الردع خلال السنوات الأخيرة، لما يحمله من آثار على القيمة العملياتية للقوة الصاروخية الإيرانية، وعلى الحسابات الأمنية والعسكرية للقوى الإقليمية. وفي البيئة الأمنية الراهنة، تزداد فاعلية الردع لدى الدولة التي تمتلك القدرة على إصابة الأهداف الحساسة بدقة عالية، الأمر الذي يجعل من تطوير الدقة الصاروخية أكثر من مجرد إنجاز تقني، بل عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى وقواعد الردع في منطقة غرب آسيا.

تعليقك